أحمد بن محمد القسطلاني

65

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

منزلة العدم " . ( وتقري الضيف ) بفتح أوّله بلا همز ثلاثيًا قال الآبي وسمع بضمها رباعيًّا ، أي تهيئ له طعامه ونزله . ( وتعين على نوائب الحق ) أي حوادثه ، وإنما قالت نوائب الحق لأنها تكون في الحق والباطل . قال لبيد : نوائب من خير وشر كلاهما . . . فلا الخير ممدود ولا الشرّ لازب ولذلك أضافتها إلى الحق ، وفيه إشارة إلى فضل خديجة وجزالة رأيها ، وهذه الخصلة جامعة لأفراد ما سبق وغيره ، وإنما أجابته بكلام فيه قسم وتأكيد بأن . واللام ، لتنزيل حيرته ودهشته واستدلت على ما أقسمت عليه بأمر استقرائي جامع لأصول مكارم الأخلاق . وفيه دليل على أن من طبع على أفعال الخير لا يصيبه ضير . ( فانطلقت ) أي مضت ( به خديجة ) رضي الله عنها مصاحبة له لأنها تلزم الفعل اللازم المعدى بالباء بخلاف المعدى بالهمزة كأذهبته ، ( حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة ) بنصب ابن الأخير بدلاً من ورقة أو صفة ، ولا يجوز جره لأنه يصير صفة لعبد العزى وليس كذلك ، ويكتب بالألف ولا تحذف لأنه لم يقع بين علمين وراء ورقة مفتوحة ، وتجتمع معه خديجة في أسد لأنها بنت خويلد بن أسد . ( وكان ) ورقة ( امرأً قد ) ترك عبادة الأوثان و ( تنصَّر ) ، وللأربعة وكان امرأ تنصر ، ( في الجاهلية ) بإسقاط قد ، وذلك أنه خرج هو ويزيد بن عمرو بن نفيل لما كرها طريق الجاهلية إلى الشام وغيرها يسألون عن الدين ، فأعجب ورقة النصرانية للقيه من لم يبدل شريعة عيسى عليه الصلاة والسلام ، ( وكان ) ورقة أيضًا ( يكتب الكتاب العبراني ) أي الكتابة العبرانية ، وفي مسلم كالبخاري في الرؤيا الكتاب العربي ، وصححه الزركشي باتفاقهما ، ( فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب ) أي الذي شاء الله كتابته ، فحذف العائد والعبرانية بكسر العين فيها نسبة إلى العبر بكسر العين وإسكان الموحدة ، زيدت الألف والنون في النسبة على غير قياس . قيل سميت بذلك لأن الخليل عليه السلام تكلم بها لما عبر الفرات فارًّا من نمروذ ، وقيل : إن التوراة عبرانية والإنجيل سرياني ، وعن سفيان ما نزل من السماء وحي إلا بالعربية ، وكانت الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تترجمه لقومها ، والباء في بالعبرانية تتعلق بقوله فيكتب ، أي يكتب باللغة العبرانية من الإنجيل . وذلك لتمكنه في دين النصارى ومعرفته بكتابهم . ( وكان ) ورقة ( شيخًا كبيرًا ) حال كونه ( قد عمي فقالت له خديجة ) رضي الله تعالى عنها : ( يا ابن عمّ اسمع ) بهمرّة وصل ( من ابن أخيك ) تعني النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لأن الأب الثالث لورقة هو الأخ للأب الرابع لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، أو قالته على سبيل الاحترام ، ( فقال له ) عليه السلام ( ورقة : يا ابن أخي ماذا ترى ؟ فأخبره رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خبر ما ) وللأصيلي وأبي ذر عن الكشميهني بخبر ما ( رأى ، فقال له ورقة : هذا الناموس ) بالنون والسين المهملة وهو صاحب السرّ كما عند المؤلف في أحاديث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وقال ابن دريد : هو صاحب سرّ الوحي والمراد به جبريل عليه الصلاة والسلام ، وأهل الكتاب يسمونه الناموس الأكبر ( الذي نزل الله على موسى ) ، زاد الأصيلي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، ونزل بحذف الهمزة يستعمل فيما نزل نجومًا ، وللكشميهني أنزل الله ويستعمل فيما نزل جملة ، وفي التفسير أنزل مبنيًّا للمفعول . فإن قلت : لم قال موسى ولم يقل عيسى مع كونه أي ورقة نصرانيًا ؟ أجيب بأن كتاب موسى مشتمل على أكثر الأحكام وكذلك كتاب نبينا عليه الصلاة والسلام بخلاف عيسى ، فإن كتابه أمثال ومواعظ أو قاله تحقيقًا للرسالة ، لأن نزول جبريل على موسى متفق عليه عند أهل الكتابين بخلاف عيسى ، فإن كثيرًا من اليهود ينكرون نبوّته ، وفي رواية الزبير بن بكار بلفظ عيسى ، ( يا ليتني فيها ) أي في مدة النبوة أو الدعوة ، وجعل أبو البقاء المنادى محذوفًا أي يا محمد ، وتعقب بأن قائل ليتني قد يكون وحده ، فلا يكون معه منادى كقول مريم " { يَا لَيْتَنِي مِتُّ } [ مريم : 23 ] ، وأجيب بأنه قد يجوز أن يجرد من نفسه نفسًا فيخاطبها ، كأن مريم قالت : يا نفسي ليتني متُّ ، وتقديره هنا ليتني أكون في أيام الدعوة ، ( جذعًا ) بفتح الجيم